ابن أبي الحديد
116
شرح نهج البلاغة
والفاسق لا يجوز أن يكون ممن ابيضت وجوههم ، فوجب أن يكون ممن اسودت ، ووجب أن يسمى كافرا ، لقوله : بما كنتم تكفرون . والجواب أن هذه القسمة ليست متقابلة ، فيجوز أن يكون المكلفون ثلاثة أقسام : بيض الوجوه ، وسود الوجوه ، وصنف آخر ثالث بين اللونين وهم الفساق . ومنها قوله تعالى : ( وجوه يومئذ مسفرة ضاحكه مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة ) ( 1 ) . قالوا : والفاسق على وجهه غبرة ، فوجب أن يكون من الكفرة والفجرة . والجواب أنه يجوز أن يكون الفساق قسما ثالثا لا غبرة على وجوههم ، ولا هي مسفرة ضاحكة ، بل على ما كانت عليه في دار الدنيا . ومنها قوله تعالى : ( ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور ) ( 2 ) قالوا : والفاسق لابد أن يجازى ، فوجب أن يكون كفورا . والجواب ، أن المراد بذلك : " وهل نجازي بعقاب الاستئصال إلا الكفور " ! لان الآية وردت في قصة أهل سبأ ، لكونهم استؤصلوا بالعقوبة . ومنها أنه تعالى قال : ( إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين ( 3 ) وقال في آية أخرى : ( إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون ( 4 ) فجعل الغاوي الذي يتبعه مشركا . والجواب أنا لا نسلم أن لفظة " إنما " تفيد الحصر وأيضا فإنه عطف قوله :
--> ( 1 ) سورة عبس 38 - 42 . ( 2 ) سورة سبأ 47 . ( 3 ) سورة الحجر 42 . ( 4 ) سورة النحل 100 .